كتب

بناة.. هل يستحق أن يعيش القارئ معه ساعات من عمره؟

هناك كتب نفتحها لأننا نبحث عن إجابة، وكتب نفتحها لأننا نريد أن نفهم العالم قليلًا قبل أن يزداد تعقيدًا. وكتاب «بناة المستقبل» لبروس بلفن ينتمي، من فكرته العامة، إلى النوع الثاني؛ فهو ينطلق من سؤال واسع: ماذا فعل العلم بحياة الإنسان؟ وإلى أين يمكن أن يقودنا هذا التقدم؟

وتشير البيانات المتاحة عن الكتاب إلى أنه من كتب العلوم والمعرفة العامة، وقد صدر عن وكالة الصحافة العربية، وتوجد له طبعات مختلفة في المصادر المتاحة؛ إذ تشير إحدى البيانات إلى طبعة من 2018 في 288 صفحة، بينما تعرض بيانات أخرى طبعات بعدد صفحات مختلف. لذلك سأعتمد في هذه المراجعة على النسخة المعروضة في البيانات التي زودتني بها، والتي يبلغ عدد صفحاتها 362 صفحة، مع التنبيه إلى أن عدد الصفحات قد يختلف باختلاف الطبعة.

المهم هنا أن الكتاب لا يبدو مهتمًا بالعلم باعتباره مجموعة مصطلحات ونظريات فحسب، بل يحاول النظر إليه بوصفه القوة التي ساعدت الإنسان على بناء الحضارة، وفي الوقت نفسه القوة التي أنتجت مشكلات جديدة مثل التلوث والأمراض والاحتباس الحراري.

وهذه نقطة جذابة؛ لأن السؤال لم يعد: ماذا اخترع الإنسان؟ وإنما: ماذا فعل الإنسان بما اخترعه؟


1) بطاقة تعريف سريعة

اسم الكتاب: بناة المستقبل
المؤلف: بروس بلفن
التصنيف: العلوم والمعرفة العامة
الناشر: وكالة الصحافة العربية
عدد الصفحات: 362 صفحة وفق البيانات المقدمة، مع وجود طبعات أخرى بعدد صفحات مختلف.
سنة النشر: تشير بيانات ببليوغرافية متاحة إلى صدور الكتاب في 2018، مع وجود إصدارات رقمية لاحقة.

وتوجد إشارات إلى ترجمة عربية للكتاب باسم إحسان أحمد القوصي في بعض الإصدارات المتاحة، وهو أمر مهم عند مقارنة الطبعات قبل الشراء.


2) لماذا ينجذب القرّاء إلى هذا الكتاب؟

أحيانًا لا نحتاج إلى كتاب متخصص حتى نشعر بالحاجة إلى المعرفة. يكفي أن ننظر حولنا.

الهاتف الذي نحمله، السيارة التي نستقلها، الدواء الذي نتناوله، الكهرباء التي تصل إلى المنزل، وسائل الاتصال التي تختصر المسافات، وحتى المخاوف الجديدة المتعلقة بالمناخ والتلوث والطاقة؛ كل ذلك نتيجة تاريخ طويل من المعرفة والاكتشاف والتجربة.

من هنا تأتي جاذبية «بناة المستقبل».

فالكتاب يخاطب فضولًا إنسانيًا بسيطًا: كيف وصلنا إلى هنا؟

وتشير النبذة المنشورة عنه إلى أنه يتتبع اتساع مجالات الاختراع والاكتشاف وتسارع العلم، ثم ينتقل إلى الوجه الآخر للتقدم، بما في ذلك التلوث والاحتباس الحراري والمشكلات التي ظهرت أو تفاقمت مع التطور.

وهذه الثنائية تجعل موضوع الكتاب أقرب إلى القارئ العام من كتاب علمي متخصص. فأنت لا تدخل إليه بالضرورة لأنك عالم أو طالب علوم، بل لأنك تريد أن تفهم الحضارة التي تعيش داخلها.


3) ما الذي يدور حوله الكتاب فعلًا؟

من المعلومات المتاحة عن الكتاب، لا يبدو أن «بناة المستقبل» يريد تقديم اكتشاف علمي واحد أو شرح نظرية محددة، بل يقدم نظرة واسعة إلى رحلة الإنسان مع المعرفة والاختراع.

وهذه نقطة ينبغي أن يعرفها القارئ قبل الشراء.

إذا كنت تبحث عن كتاب متخصص في تاريخ العلوم، أو مرجع أكاديمي يوثق كل اختراع بتفاصيله ومصادره، فربما لن يكون هذا هو الخيار المناسب.

أما إذا كنت تبحث عن كتاب معرفي واسع يذكّرك بأن الحضارة لم تظهر فجأة، وأن وراء كل مرحلة من مراحلها تراكمًا من الاكتشافات والأفكار، فالكتاب يبدو أكثر قربًا من حاجتك.

الكتاب، بحسب الوصف المتاح، يتحرك بين طرفين: العلم باعتباره أداة لبناء الحضارة، والعلم باعتباره مسؤولية تفرض على الإنسان أن يفكر في نتائج استخدامه.

وهذه الفكرة هي أهم ما يمكن أن يأخذه القارئ منه.


4) ماذا سيعيش القارئ داخل هذا الكتاب؟

من المهم هنا أن نكون منصفين: المعلومات المتاحة عن الكتاب لا تكفي للحكم التفصيلي على أسلوب بروس بلفن في كل فصل أو على جودة البناء الداخلي للكتاب، ولذلك لا يصح أن ندعي تجربة قراءة كاملة لا توفرها المادة المنشورة.

لكن من خلال موضوع الكتاب وطريقة تقديمه، يمكن توقع تجربة أقرب إلى القراءة الاستكشافية منها إلى الدراسة المتخصصة.

القارئ ينتقل من فكرة إلى أخرى داخل مساحة واسعة: اختراعات، اكتشافات، معرفة، حضارة، ثم الآثار التي تركها التقدم العلمي في حياة الإنسان والبيئة.

وهذا النوع من الكتب قد يمنح القارئ متعة خاصة إذا كان يحب المعرفة المتنوعة ولا يريد أن يقضي أسابيع في كتاب شديد التخصص.

لكن له ثمنًا أيضًا.

فالكتاب الذي يريد أن يتناول مساحة واسعة من تاريخ العلم والحضارة معرض دائمًا لأن يكون أقل عمقًا في بعض الموضوعات التي يمر بها. ولذلك فإن القارئ الذي يحب التفاصيل الدقيقة قد يشعر أحيانًا بأن الفكرة التي أثارت فضوله تستحق فصلًا أطول مما حصلت عليه.

وهذا ليس بالضرورة عيبًا؛ إنه جزء من طبيعة الكتب الواسعة.


5) القيمة الحقيقية للكتاب

القيمة الأهم في «بناة المستقبل» ليست، في تقديري، أن يخرج القارئ منه بقائمة طويلة من المعلومات التي يستطيع ترديدها.

القيمة في أن يعيد النظر في معنى التقدم.

فنحن نعيش في زمن أصبحت فيه كلمة «تطور» تبدو إيجابية تلقائيًا. كل تقنية جديدة تُستقبل غالبًا باعتبارها خطوة إلى الأمام.

لكن الكتاب، وفق فكرته المعلنة، يضع أمام القارئ سؤالًا أكثر نضجًا: ماذا يحدث عندما نستخدم العلم دون أن نفكر في ثمن استخدامه؟

فالعلم ساعد الإنسان على استثمار موارد الأرض، وبناء الحضارة، وتحسين جوانب كثيرة من الحياة، لكنه ارتبط أيضًا بزيادة بعض صور التلوث وظهور مشكلات بيئية وصحية جديدة.

وهنا يصبح الكتاب أكثر من مجرد جولة في تاريخ الاختراعات.

إنه يضع القارئ أمام مسؤولية المعرفة.

قد لا يقدم الكتاب إجابات جديدة تمامًا على هذه الأسئلة، وبعض أفكاره تبدو مألوفة في كتب الثقافة العلمية المعاصرة، لكن أهمية الفكرة ليست دائمًا في كونها جديدة؛ أحيانًا تكون في أن تُعرض بطريقة تجعل القارئ يتوقف عندها من جديد.


6) أين ينجح الكتاب فعلًا؟

أولًا: في اختيار موضوع واسع يهم الجميع

العلم ليس موضوعًا خاصًا بالعلماء.

كل إنسان يعيش نتائج العلم، حتى لو لم يقرأ كتابًا واحدًا في الفيزياء أو الكيمياء أو الأحياء. وهذه المساحة المشتركة تجعل الكتاب قابلًا للوصول إلى جمهور واسع.

ثانيًا: في الجمع بين الوجهين الإيجابي والسلبي للتقدم

من السهل أن يتحول كتاب عن العلم إلى احتفال طويل بالاختراعات.

لكن الإشارة إلى التلوث والاحتباس الحراري والآثار الجانبية للتطور تمنح الموضوع قدرًا من التوازن.

ثالثًا: في إثارة الفضول

الكتب المعرفية الجيدة لا يشترط أن تمنحك كل شيء؛ يكفي أحيانًا أن تجعلك تريد معرفة المزيد.

وقد يكون هذا أحد الأدوار المهمة للكتاب: أن يفتح أمام القارئ أبوابًا نحو موضوعات أخرى؛ تاريخ الطاقة، تاريخ الاختراعات، تطور الطب، البيئة، التكنولوجيا، أو مستقبل الحضارة.

رابعًا: مناسب للقارئ غير المتخصص

تصنيف الكتاب في المصادر المتاحة ضمن العلوم والمعرفة العامة، وليس ضمن كتاب أكاديمي متخصص، يجعله أقرب إلى القارئ الذي يريد مدخلًا واسعًا إلى الموضوع.


7) أين يضعف أو يخيّب التوقعات؟

هنا تأتي النقطة التي يجب ألا نتجاهلها قبل الشراء.

اتساع الموضوع قد يكون ميزة، لكنه قد يكون عيبًا في الوقت نفسه.

حين يحاول كتاب واحد أن يتحدث عن تاريخ الاختراع، وتطور العلم، واستفادة الإنسان من موارد الأرض، والحضارة، والتلوث، والاحتباس الحراري، يصبح من الصعب أن يمنح كل قضية العمق الذي تستحقه.

لذلك، إذا كنت من القراء الذين يحبون أن يمكثوا طويلًا مع فكرة واحدة، فقد تشعر بأن بعض الموضوعات تحتاج إلى توسع أكبر.

كما أن الفكرة العامة عن «العلم وبناء الحضارة» ليست جديدة تمامًا. توجد كتب كثيرة تناولت العلاقة بين العلم والتكنولوجيا والمجتمع والبيئة من زوايا مختلفة.

ومن ثم، فإن قيمة الكتاب بالنسبة إلى القارئ لن تكون في فرادته المطلقة بقدر ما ستكون في طريقة جمعه للموضوعات وتقديمها للقارئ العام.

وهناك أيضًا مسألة عملية: اختلاف بيانات الطبعات في عدد الصفحات وسنة الإصدار يجعل من الأفضل أن يتأكد المشتري من الطبعة التي سيحصل عليها قبل الدفع. فالمصادر المتاحة تشير إلى طبعة من 288 صفحة، بينما توجد إصدارات أخرى ببيانات مختلفة.


8) لمن هذا الكتاب؟ ولمن قد لا يناسب؟

هذا الكتاب مناسب لك إذا كنت:

  • تحب كتب الثقافة العلمية المبسطة.
  • تريد قراءة واسعة عن العلم والاختراع والحضارة.
  • تبحث عن كتاب يثير الأسئلة أكثر مما يقدم تخصصًا أكاديميًا دقيقًا.
  • تستمتع بالانتقال بين موضوعات علمية متعددة.
  • تريد أن تفهم الوجه الإيجابي والسلبي للتقدم العلمي.
  • تبحث عن كتاب يمكن أن يكون مدخلًا إلى قراءة أوسع في تاريخ العلوم والتكنولوجيا.

أما إذا كنت:

  • باحثًا متخصصًا في تاريخ العلم.
  • طالبًا يبحث عن مرجع أكاديمي.
  • مهتمًا بتفاصيل تقنية دقيقة.
  • لا تحب الكتب التي تتنقل بين موضوعات كثيرة.
  • تريد توثيقًا موسعًا لكل معلومة أو اكتشاف.

فربما لن يكون الكتاب أفضل اختيار لك.

بمعنى آخر، القارئ المناسب لـ«بناة المستقبل» هو القارئ الفضولي، لا القارئ المتخصص بالضرورة.


9) هل يستحق الشراء فعلًا؟

الحكم: شراء، إذا كنت من محبي الكتب العلمية العامة.

أما إذا كنت مترددًا بسبب كثرة الكتب التي تتناول العلم والحضارة، فأنا أميل إلى الاستعارة أو تجربة بعض صفحاته أولًا إن كان ذلك متاحًا لك.

لماذا؟

لأن الكتاب يبدو واعدًا من حيث الفكرة، لكن اتساع موضوعه يعني أن قيمته تعتمد بدرجة كبيرة على مدى انسجام القارئ مع هذا النوع من الكتب.

لا أنصح بشرائه على أساس أنه سيقدم لك اكتشافات علمية لا تعرفها أو سيغير كل أفكارك عن العلم؛ فهذا وعد أكبر مما تسمح به المعلومات المتاحة عنه.

لكنني أراه خيارًا جيدًا لمن يريد أن يقضي وقتًا مع رحلة الإنسان من الاكتشاف إلى الحضارة، ومن الحضارة إلى السؤال عن مسؤولية المستقبل.

أما قراءة ملخص فقط، فقد تكون كافية لمن يريد معرفة الفكرة العامة. لكن من يبحث عن تجربة ثقافية أوسع، فالملخص لن يمنحه بالضرورة قيمة الانتقال بين الموضوعات والتأمل فيها.


10) الخلاصة قبل الشراء

لو كنت سأرشح «بناة المستقبل» لصديق، فلن أقول له: «اشترِه لأنه كتاب عظيم لا يُفوّت».

سأقول شيئًا أبسط:

إذا كنت تنظر إلى العلم باعتباره أكثر من مجموعة اختراعات، وتريد كتابًا يذكرك بكيف بنى الإنسان حضارته، وبأن كل تقدم يحمل معه مسؤولية جديدة، فقد تجد في هذا الكتاب رفيقًا معرفيًا جيدًا.

أما إذا كنت تبحث عن دراسة عميقة أو مرجع متخصص، فالأفضل أن تتجه إلى كتاب أكثر تحديدًا.

والشيء الجميل في الكتب من هذا النوع أنها لا تحتاج دائمًا إلى أن تكون آخر كلمة في موضوعها حتى تكون جديرة بالقراءة. أحيانًا يكفي أن تجعلنا ننظر إلى العالم الذي اعتدناه بعين مختلفة قليلًا.

وهذا، في النهاية، هو الاختبار الحقيقي لأي كتاب معرفي: هل يجعلك أكثر فضولًا بعد أن تنهيه مما كنت عليه قبل أن تفتحه؟

وبحسب الفكرة التي يقدمها «بناة المستقبل»، فإن فرصته الأقوى تكمن هنا تحديدًا: في أن يجعل القارئ لا يكتفي بالسؤال عما بناه الإنسان، بل يسأل أيضًا أي مستقبل يريد أن يبنيه بهذه المعرفة؟

لمعرفة المزيد: بناة.. هل يستحق أن يعيش القارئ معه ساعات من عمره؟

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
زر الذهاب إلى الأعلى