سير

ويليام هوارد شتاين.. العالم الذي جعل بنية الإنزيم مفتاحًا لفهم وظيفته

في العاشر من ديسمبر/كانون الأول 1972، اجتمع في ستوكهولم ثلاثة علماء ارتبطت أبحاثهم بجزيء واحد: إنزيم الريبونيوكلياز. كان بينهم عالم الكيمياء الحيوية الأمريكي ويليام هوارد شتاين، الذي تقاسم نصف جائزة نوبل في الكيمياء مع زميله ستانفورد مور، بينما حصل كريستيان ب. أنفينسن على النصف الآخر. ولم يكن التكريم احتفاءً باكتشاف منفرد بالمعنى التقليدي، بل اعترافًا بسلسلة من الأبحاث التي نقلت دراسة الإنزيمات من معرفة تركيبها الكيميائي إلى محاولة فهم الكيفية التي يجعل بها هذا التركيب الجزيئي التفاعل الكيميائي ممكنًا.

كان قرار الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم واضحًا في تحديد جوهر الإنجاز: مُنحت الجائزة إلى ستانفورد مور وويليام شتاين «لمساهمتهما في فهم العلاقة بين البنية الكيميائية والنشاط التحفيزي للمركز الفعّال في جزيء الريبونيوكلياز».

وبهذا المعنى، فإن سيرة ويليام هوارد شتاين ليست مجرد قصة عالم أمريكي ولد في نيويورك وانتهت حياته في المدينة نفسها، وإنما قصة تحول في طريقة النظر إلى البروتينات والإنزيمات. فقد بدأ شتاين من سؤال عملي للغاية: كيف يمكن قياس الأحماض الأمينية الموجودة في البروتين بدقة؟ ثم قاده هذا السؤال، مع ستانفورد مور وعدد كبير من الباحثين، إلى ابتكار أدوات تحليلية جديدة، ثم إلى فك البنية الكيميائية للريبونيوكلياز، ثم إلى تحديد أجزاء من موقعه الفعّال قبل أن تصبح البنية ثلاثية الأبعاد للإنزيم معروفة بصورة كاملة.

ومن هنا تكمن أهمية شتاين: لم يكن يطارد الأداة من أجل الأداة، بل كان يطور الأدوات لأن الأسئلة العلمية التي أمامه كانت تتطلبها.


النشأة في نيويورك.. بين العلم والفضول

وُلد ويليام هوارد شتاين في 25 يونيو/حزيران 1911 في مدينة نيويورك، وكان الابن الثاني بين ثلاثة أبناء لفريد إم. شتاين وبياتريس بورغ شتاين. ووفق سيرته التي كتبها في مناسبة نيله نوبل، نشأ في أسرة شجعته على التوجه نحو الطب أو العلوم الأساسية. كان والده مهتمًا بالشأن العام وبالمؤسسات الصحية، بينما كرست والدته جانبًا كبيرًا من حياتها لخدمة أطفال مدينة نيويورك.

تلقى شتاين تعليمه المبكر في مدرسة لينكولن التابعة لكلية المعلمين في جامعة كولومبيا، وهي مدرسة اتبعت في ذلك الوقت توجهًا تعليميًا تقدميًا، يجمع بين العلوم والفنون والموسيقى والكتابة والأنشطة العملية. ولم يكن اهتمامه بالعلم منفصلًا عن فضوله العام؛ فقد ذكر في سيرته أن أحد مشروعاته العلمية المبكرة كان جمع الفراشات والعث.

وعندما بلغ السادسة عشرة انتقل إلى Phillips Exeter Academy في نيوهامبشير، حيث وجد بيئة تعليمية أكثر صرامة، وأشار لاحقًا إلى أن تلك المرحلة ساعدته في بناء عادات العمل والدقة في الكتابة.

في عام 1929 التحق بجامعة هارفارد، حيث درس الكيمياء. وبعد سنة من الدراسات العليا في الكيمياء هناك، بدأ يتجه نحو مجال كان يتبلور آنذاك بوصفه منطقة التقاء بين الكيمياء وعلم الأحياء: الكيمياء الحيوية.

وفي عام 1934 انتقل إلى قسم الكيمياء البيولوجية في كلية الأطباء والجراحين بجامعة كولومبيا. هناك درس تحت إشراف بيئة علمية ارتبطت باسم هانس ثاتشر كلارك، ووجد نفسه وسط مجموعة من الباحثين الذين سيصبح عدد منهم لاحقًا علماء بارزين في الكيمياء الحيوية.

كان انتقاله من الكيمياء إلى الكيمياء الحيوية خطوة حاسمة؛ إذ سيصبح البروتين، وليس المركب الكيميائي الصغير، مركز اهتمامه العلمي طوال حياته تقريبًا.


من الإيلاستين إلى سؤال البروتين

أنهى شتاين أطروحته للدكتوراه في عام 1937، وكانت عن تركيب الأحماض الأمينية في الإيلاستين. وقد مثّل هذا العمل بداية اهتمام طويل بكيمياء البروتينات.

لم يكن الإيلاستين مجرد موضوع عابر في مسيرته؛ فقد وضع شتاين أمام مشكلة ستظل ملازمة لأبحاثه: البروتينات تبدو في ظاهرها جزيئات ضخمة مكونة من وحدات بسيطة نسبيًا، لكن ترتيب هذه الوحدات وخصائصها الكيميائية هو ما يمنح كل بروتين هويته ووظيفته.

بعد حصوله على الدكتوراه، التحق شتاين بمختبر ماكس بيرغمان في معهد روكفلر للأبحاث الطبية في نيويورك، الذي أصبح لاحقًا جامعة روكفلر. وكان بيرغمان قد أسس بيئة بحثية نشطة في كيمياء البروتينات والإنزيمات.

في هذا المختبر بدأ شتاين العمل على تحسين طرق تحديد الأحماض الأمينية كميًا. وكانت المشكلة في ذلك الوقت أن تحليل البروتينات لم يكن مهمة سريعة أو بسيطة؛ إذ كان على العلماء فصل المكونات وقياسها بطرق مرهقة، بينما كانت دراسة بنية البروتين تتطلب الحصول على بيانات كثيرة ومتكررة.

هنا ظهر أحد أهم ملامح منهجه العلمي: المشكلة التجريبية نفسها كانت تحدد الأداة المطلوبة.

وفي عام 1939 انضم ستانفورد مور إلى مختبر بيرغمان، واقترح بيرغمان أن يعمل الرجلان معًا لتطوير أساليب التحليل. وهكذا بدأت واحدة من أطول الشراكات العلمية وأكثرها إنتاجًا في الكيمياء الحيوية في القرن العشرين. وتصف الأكاديمية الوطنية للعلوم شراكتهما بأنها استمرت عقودًا، بينما تشير مؤسسة نوبل إلى أن التعاون بينهما امتد نحو 33 عامًا.


الحرب العالمية الثانية.. حين تغير اتجاه البحث مؤقتًا

لم تكن مسيرة شتاين العلمية خطًا مستقيمًا.

مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، توقفت أعمال كثيرة في مجال بنية البروتينات لتتحول المجموعة البحثية في معهد روكفلر إلى مشروعات ذات صلة بالجهود الحربية، بما فيها دراسة التأثيرات الفسيولوجية والبيوكيميائية لغاز الخردل ومواد النيتروجين الخردلية.

شارك شتاين في أبحاث تناولت تفاعلات هذه المواد مع المجموعات الوظيفية في الأحماض الأمينية والببتيدات. وقد منحه ذلك خبرة إضافية في دراسة التفاعلات الكيميائية على مستوى الجزيئات الصغيرة، لكنه لم يغير الاتجاه الأساسي الذي كان يتشكل في ذهنه: الوصول إلى فهم أكثر دقة للبروتينات.

وفي عام 1944 توفي ماكس بيرغمان، وهو حدث ترك المختبر دون قائده. وبعد انتهاء الحرب، كان على شتاين ومور أن يقررا ما إذا كانا سيغادران المؤسسة أم يطلبان فرصة للاستمرار في البحث.

اختارا البقاء في معهد روكفلر، ومن هنا بدأت المرحلة التي ستقود شتاين إلى نوبل.


الفكرة التي سبقت الجهاز: لا يمكن فهم البروتين دون قياس مكوناته

بعد الحرب، وجد شتاين ومور أنفسهما أمام مرحلة جديدة في علم البروتينات. فقد كان علماء آخرون، مثل فريدريك سانغر، يحققون تقدمًا كبيرًا في دراسة بنية البروتينات، بينما كانت تقنيات الاستشراب اللوني «الكروماتوغرافيا» تتطور بسرعة.

وقد أثرت أعمال آرتشر جون بورتر مارتن وريتشارد لورنس ميلينغتون سينج في بريطانيا في تطور طرق فصل المركبات، بينما كان لايمان كريغ يعمل في روكفلر على تقنيات أخرى للفصل الكيميائي. وأصبح واضحًا أن تقنيات الفصل تستطيع تحويل خليط معقد إلى مكونات يمكن التعامل معها بصورة منفصلة.

اختار شتاين ومور الاستفادة من الكروماتوغرافيا العمودية لفصل الأحماض الأمينية.

في البداية استخدما أعمدة من نشا البطاطس. وكانت النتائج مهمة، لكنها بطيئة جدًا؛ فقد كان تحليل بعض البروتينات يستغرق نحو أسبوعين باستخدام عدة أعمدة.

ثم ظهرت إمكانية استخدام راتنجات التبادل الأيوني، الأمر الذي سمح بتقليل الزمن إلى عدة أيام. لكن المشكلة الأساسية ظلت قائمة: إذا كان العلماء يريدون دراسة البروتينات بصورة أكثر تفصيلًا، فإنهم بحاجة إلى طريقة أسرع وأكثر آلية.

وهنا بدأت إحدى أهم إنجازات ويليام شتاين في الكيمياء الحيوية.


جهاز تحليل الأحماض الأمينية.. عندما أصبحت الأداة اكتشافًا في حد ذاتها

في عام 1958، وبالتعاون مع داريل سباكمان وستانفورد مور، وصل شتاين إلى تطوير محلل آلي للأحماض الأمينية.

لم يكن الجهاز مجرد نسخة آلية من طريقة قديمة؛ فقد جمع بين الفصل بالاستشراب والقياس الآلي، بحيث يمكن تمرير المحلول عبر الراتنج، ثم استخدام تفاعل النينهيدرين لإظهار الأحماض الأمينية وقياسها بصورة آلية.

بحسب السيرة العلمية التي أعدها ستانفورد مور للأكاديمية الوطنية للعلوم، كان الجهاز قادرًا على إجراء تحليل لعينة البروتين خلال تشغيل ليلي، بعدما كانت الطرق السابقة تحتاج إلى أيام. كما أن التحسينات اللاحقة جعلت التحليل أسرع بكثير.

وتكمن أهمية هذا الابتكار في أن الأجهزة الناتجة عن هذا العمل انتشرت عالميًا، واعتُبرت في تاريخ الكيمياء التحليلية من البدايات المهمة التي مهدت للاستخدام الواسع لأشكال من الاستشراب السائل عالي الكفاءة.

وهنا ينبغي التمييز بين إنجازين متداخلين في مسيرة شتاين.

الأول هو تطوير منهج تحليلي يسمح بفصل الأحماض الأمينية وقياسها بدقة.

والثاني هو تحويل المنهج إلى جهاز آلي يمكن استخدامه بصورة أكثر انتظامًا وفاعلية.

ولأن هذا الجهاز كان قابلًا للتكرار والتطبيق في مختبرات مختلفة، فإن أثره تجاوز مختبر شتاين ومور بكثير.

وقد ظهرت بعد ذلك تعديلات وتطبيقات متعددة لتحليل الأحماض الأمينية اعتمادًا على الأساس الذي أرسته تقنيات شتاين ومور وسباكمان؛ وتظهر سجلات PubMed مثلًا تطبيقات لاحقة صريحة لأسلوب التحليل الآلي للأحماض الأمينية الذي طوره هؤلاء العلماء.

وهذا أحد الأمثلة الواضحة على الفرق بين التأثير المباشر والتأثير غير المباشر: فليس كل جهاز لاحق نسخة من جهاز شتاين، لكن المبدأ التجريبي الذي جعله ممكنًا دخل في سلسلة طويلة من التطويرات التحليلية.


لماذا كان الريبونيوكلياز مهمًا؟

بعد أن أصبحت لديهم أدوات أفضل، كان السؤال التالي: أي بروتين ينبغي أن يدرساه؟

لم يكن اختيار الريبونيوكلياز مصادفة.

كان إنزيم الريبونيوكلياز البنكرياسي البقري متاحًا بدرجة مناسبة من التنقية، وكان أكبر تقريبًا من الإنسولين، ولذلك يمثل اختبارًا أكثر تحديًا لطرق تحليل البروتين. وفي الوقت نفسه كان إنزيمًا، أي أن دراسة تركيبه يمكن أن تقود إلى سؤال يتجاوز معرفة مكونات البروتين إلى معرفة العلاقة بين بنيته ووظيفته.

كان الريبونيوكلياز يقوم بتفكيك جزيئات RNA إلى مكونات أصغر. لكن بالنسبة إلى الكيميائي الحيوي، كان السؤال الأهم: كيف تجعل البنية الكيميائية لهذا البروتين عملية التحفيز ممكنة؟

كان معروفًا أن الإنزيمات بروتينات، وأن البروتينات تتكون من سلاسل من الأحماض الأمينية. لكن مجرد معرفة قائمة الأحماض الأمينية لم تكن كافية لفهم الوظيفة.

كان لا بد من معرفة ترتيبها، ثم معرفة أي أجزاء من السلسلة تشارك في النشاط، وكيف يمكن لبنية ثلاثية الأبعاد أن تجمع مجموعات كيميائية متباعدة في السلسلة الخطية داخل موقع واحد يؤدي الوظيفة التحفيزية.

وهنا دخلت أبحاث شتاين ومور إلى قلب مشكلة علمية أكبر من مجرد تحديد تركيب بروتين.


من السلسلة الخطية إلى موقع الإنزيم الفعّال

بدأ شتاين ومور وزملاؤهما بتقسيم الريبونيوكلياز إلى أجزاء أصغر باستخدام عمليات التحلل الإنزيمي، ثم فصل الببتيدات الناتجة وتحليلها.

ساعدتهم تقنيات مثل التحلل المتتابع الذي طوره بيهر إدمان في السويد، كما استفادوا من أعمال باحثين آخرين، ومن بينها طريقة شطر الروابط عند بقايا الميثيونين باستخدام بروميد السيانوجين.

لم يكن العمل منجزًا فرديًا؛ فقد شارك فيه عدد كبير من الباحثين، وتداخلت نتائجه مع أبحاث كريستيان أنفينسن في المعاهد الوطنية للصحة. وتشير الأكاديمية الوطنية للعلوم إلى أن تبادل المعلومات بين المختبرين ساعد على تسريع حل المشكلة.

وبذلك أصبح من الممكن الوصول إلى تسلسل الأحماض الأمينية في الريبونيوكلياز، وهو إنجاز تاريخي لأن الريبونيوكلياز أصبح أول إنزيم تُحدد سلسلته الكاملة من الأحماض الأمينية بفضل الإسهامات المشتركة لفرق أنفينسن ومور وشتاين.

لكن معرفة التسلسل لم تكن نهاية الطريق.

كانت في الواقع بداية سؤال أصعب.


ما الذي يجعل الإنزيم إنزيمًا؟

يمكن أن نعرف أن بروتينًا ما يتكون من 124 حمضًا أمينيًا مثل الريبونيوكلياز، وأن نعرف ترتيب هذه الأحماض، لكن ذلك لا يخبرنا وحده كيف يعمل البروتين.

الإنزيم لا يعمل باعتباره سلسلة خطية فقط؛ إذ تطوى السلسلة في الفراغ، وتصبح بعض المجموعات الكيميائية في مواضع معينة قادرة على الارتباط بالركيزة والتأثير في التفاعل.

وهنا ركز شتاين ومور على مفهوم الموقع الفعّال.

كان عليهما أن يعرفا أي الأحماض الأمينية الموجودة في السلسلة تدخل مباشرة في النشاط التحفيزي، وكيف يمكن تحديد مواقعها قبل توفر صورة كاملة للبنية ثلاثية الأبعاد.

وكانت إحدى ملاحظاتهما شديدة الأهمية: بعض المجموعات الكيميائية في الموقع الفعّال أظهرت تفاعلية غير اعتيادية مقارنة بالمجموعات نفسها عندما توجد خارج البيئة الجزيئية للإنزيم.

استغلا هذه الخاصية باستخدام تعديلات كيميائية تستهدف مجموعات محددة، ثم استخدما تحليل الأحماض الأمينية لمعرفة أي جزء من السلسلة تعرض للتعديل.

وهكذا أصبح من الممكن تحديد مواقع معينة داخل البروتين ترتبط بالنشاط التحفيزي.


الهيستيدين 12 والهيستيدين 119.. خريطة كيميائية قبل الصورة

من أهم نتائج هذا المسار تحديد دور بقايا الهيستيدين 12 والهيستيدين 119 في الموقع الفعّال للريبونيوكلياز.

كانت هذه خطوة مهمة لأنها أظهرت أن موقعًا وظيفيًا داخل البروتين يمكن استنتاجه من خلال الكيمياء التحليلية والتفاعلية، حتى قبل الحصول على صورة بلورية كاملة للجزيء.

وتشير الأكاديمية الوطنية للعلوم إلى أن الدراسات الكيميائية قادت إلى توقعات عن المسافات بين هذه المجموعات في البنية ثلاثية الأبعاد، ثم دعمتها لاحقًا تحليلات البلورات بالأشعة السينية التي أجراها فريدريك ريتشاردز وهارولد ويكوف.

هذه النقطة بالذات تفسر بدقة سبب فوز شتاين بجائزة نوبل.

فالجائزة لم تكن لأن شتاين ومور «عرفا تسلسل الريبونيوكلياز» فقط، رغم أهمية ذلك، وإنما لأنهما استخدما هذا النوع من المعرفة الكيميائية لفهم العلاقة بين البنية الكيميائية والنشاط التحفيزي.

وقد أكدت الأكاديمية الملكية السويدية في خطاب تقديم الجائزة أن مساهمتهما الأساسية تمثلت في تحديد أحماض أمينية معينة في الموقع الفعّال، واستخدام تفاعليتها غير المعتادة لتحديد موضعها داخل السلسلة البروتينية.

وهكذا أصبحت بنية البروتين ليست مجرد قائمة من المكونات، بل خريطة يمكن ربط نقاطها بالوظيفة.


شتاين وأنفينسن ومور.. ثلاث زوايا لسؤال واحد

من السهل عند قراءة تاريخ نوبل عام 1972 أن يُنظر إلى العلماء الثلاثة باعتبارهم أصحاب مشروع واحد، لكن مساهماتهم كانت متكاملة أكثر من كونها متطابقة.

كان كريستيان أنفينسن يركز على العلاقة بين تسلسل الأحماض الأمينية والبنية النشطة للإنزيم، وأظهر أن المعلومات اللازمة لطي الريبونيوكلياز إلى بنيته النشطة موجودة في التسلسل الخطي نفسه.

أما ستانفورد مور وويليام شتاين فركزا على سؤال مختلف: كيف ترتبط البنية الكيميائية بالنشاط التحفيزي؟ وكيف يمكن تحديد المجموعات الكيميائية الموجودة في الموقع الفعّال؟

لهذا قسمت جائزة نوبل إلى نصفين: نصف لأنفينسن، ونصف مشترك لمور وشتاين.

وهذه الصورة العلمية أكثر دقة من القول إن العلماء الثلاثة اكتشفوا «طريقة عمل الريبونيوكلياز» دفعة واحدة. لقد كانت أبحاثهم أجزاء متكاملة من مشكلة واحدة: كيف تتحول المعلومات الكيميائية المكتوبة في تسلسل البروتين إلى بنية ثلاثية الأبعاد ثم إلى وظيفة بيولوجية؟


من الريبونيوكلياز إلى إنزيمات أخرى

لم يتوقف مشروع شتاين ومور عند الريبونيوكلياز.

بعد دراسة RNase A، اتجهت المجموعة إلى الديوكسي ريبونوكلياز البنكرياسي، المعروف باسم DNase A، وهو بروتين أكثر تعقيدًا من الريبونيوكلياز، ويتكون من سلسلة واحدة تضم 257 بقايا من الأحماض الأمينية وفق السجل التاريخي للأكاديمية الوطنية للعلوم. وتم تحديد تسلسله في عام 1973 من خلال عمل عدة باحثين في المختبر.

كما درس مختبر شتاين عددًا من الإنزيمات والبروتينات الأخرى، ومنها البروميلينات والكيموتريبسين والببسين والبروتيناز العقدي والريبونيوكلياز T1 وكربوكسي ببتيداز Y.

وهذا الامتداد مهم؛ لأنه يكشف أن الهدف لم يكن حل لغز إنزيم واحد، وإنما اختبار المنهج على مجموعة من البروتينات.

ومع اتساع هذه الأبحاث، أصبح التحليل الكيميائي للبروتينات أكثر قدرة على التعامل مع أسئلة مختلفة تتعلق بالبنية والوظيفة.


حين تصبح التقنية لغة مشتركة بين المختبرات

من السمات اللافتة في عمل شتاين أنه لم يحتفظ بالتقنيات التي طورها مختبره بوصفها أسرارًا خاصة.

تذكر السيرة التي كتبها ستانفورد مور أن الأوراق التي وصف فيها الفريق منهجياته اهتمت بتوفير التفاصيل التي تسمح للباحثين الآخرين باستخدام الطرق بفاعلية، كما أُرسلت نسخ أولية من بعض الأبحاث إلى علماء مهتمين بها قبل النشر لمراجعة اكتمال التفاصيل التجريبية.

وهذا جانب مهم من إرث شتاين.

فالعلم لا يتقدم فقط عندما تظهر نتيجة جديدة، بل عندما تصبح الطريقة التي أدت إلى النتيجة قابلة لإعادة الاستخدام.

ولهذا كان تأثير محلل الأحماض الأمينية أكبر من تجربة واحدة على الريبونيوكلياز. فقد أصبح الجهاز والمنهج قاعدة لأعمال تحليلية لاحقة، وأسهم بصورة غير مباشرة في تطوير تقنيات الاستشراب السائل التي أصبحت لاحقًا جزءًا أساسيًا من الكيمياء التحليلية والكيمياء الحيوية. وتصف الأكاديمية الوطنية للعلوم أجهزة التحليل الناتجة عن هذا المشروع بأنها أول صورة واسعة الاستخدام من أشكال الاستشراب السائل عالي الكفاءة.


العالم الذي لم يعمل منفردًا

رغم أن اسمه ارتبط بجائزة نوبل، فإن صورة شتاين العلمية لا تكتمل إذا قُدم باعتباره عالمًا يعمل منفردًا.

كانت شراكته مع ستانفورد مور جوهرية. واستمرت هذه الشراكة لعقود، وتداخل فيها عمل عدد كبير من الباحثين والتقنيين وطلاب الدراسات العليا.

كما أن مشروع الريبونيوكلياز نفسه كان شبكة علمية امتدت بين روكفلر والمعاهد الوطنية للصحة ومراكز بحثية أخرى.

ويظهر هذا بوضوح في تاريخ تحديد تسلسل الريبونيوكلياز، حيث ساهم باحثون متعددون في تحليل الببتيدات، وتحديد الروابط ثنائية الكبريتيد، وتطوير عمليات الفصل والتجزئة، والوصول إلى التسلسل النهائي.

ولهذا فإن أحد الدروس المهمة في تجربة شتاين هو أن العلم الكبير لا يلغي الفرد، لكنه يجعل الفرد جزءًا من بنية تعاونية أوسع.


نوبل 1972.. اعتراف بمشروع امتد عقودًا

في أكتوبر/تشرين الأول 1972 أعلنت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم منح جائزة نوبل في الكيمياء إلى كريستيان أنفينسن، وإلى ستانفورد مور وويليام شتاين بصورة مشتركة.

وكان نص قرار الجائزة بالنسبة إلى شتاين ومور يحدد بدقة العلاقة بين البنية الكيميائية والنشاط التحفيزي للموقع الفعّال في الريبونيوكلياز.

وقد حصل شتاين على ربع الجائزة، بينما حصل مور على الربع الآخر من النصف المخصص لهما، وحصل أنفينسن على النصف المتبقي.

وفي 10 ديسمبر 1972 أقيم حفل توزيع الجائزة في ستوكهولم، ثم ألقى شتاين محاضرته العلمية في اليوم التالي، 11 ديسمبر، تحت عنوان «التركيب الكيميائي للريبونيوكلياز والديوكسي ريبونوكلياز البنكرياسيين».

لم تكن نوبل بالنسبة إلى شتاين خاتمة مشروعه العلمي بقدر ما كانت اعترافًا بمسار طويل بدأ من مشكلة تحليلية بسيطة ظاهريًا: كيف نقيس مكونات البروتين؟


المرض الذي غيّر حياته ولم يوقف اهتمامه بالعلم

في عام 1969، أثناء وجوده في كوبنهاغن للمشاركة في ندوة دولية حول الإنزيمات المحللة للبروتين، أصيب شتاين بمرض شديد تطور إلى متلازمة غيلان-باريه. وبعد فترة طويلة من العلاج بقي مصابًا بشلل رباعي.

كان هذا التحول بالغ القسوة بالنسبة إلى عالم يعتمد في عمله على المختبر والتجربة المباشرة.

اضطر إلى التخلي عن رئاسة تحرير Journal of Biological Chemistry، التي كان قد تولى مسؤوليتها لفترة قصيرة، لكنه لم ينسحب فكريًا من الحياة العلمية.

تذكر الأكاديمية الوطنية للعلوم أنه واصل تقديم المشورة بشأن الأبحاث والمخطوطات، وأنه كان يذهب إلى مكتبه في جامعة روكفلر كلما سمحت حالته، كما كانت تُعقد أحيانًا حلقات نقاش في منزله.

وهذه المرحلة لا ينبغي تحويلها إلى قصة بطولية عاطفية؛ أهميتها العلمية أبسط وأعمق: القدرة على الاستمرار في التفكير العلمي حتى بعد فقدان القدرة على ممارسة العمل المخبري كما كان يفعل من قبل.

لقد بقي اهتمامه بموضوع الريبونيوكلياز حاضرًا، وكان يتابع تطور الأبحاث التي اتسعت حول الإنزيمات ومثبطاتها داخل الخلايا.


المحرر والعالم والأستاذ

لم يكن نشاط شتاين محصورًا في المختبر.

كان عضوًا في الأكاديمية الوطنية للعلوم منذ عام 1960، كما عمل في عدد من الهيئات العلمية والاستشارية، وكان أستاذًا زائرًا في جامعة شيكاغو وهارفارد، وشارك في نشاطات دولية متصلة بالكيمياء الحيوية.

كما لعب دورًا مهمًا في إدارة النشر العلمي، خاصة من خلال Journal of Biological Chemistry. وقد اهتم بإرساء إجراءات إدارية للتعامل مع العدد المتزايد من الأبحاث المقدمة للمجلة. وتشير سيرة الأكاديمية الوطنية للعلوم إلى أن حجم العمل كان قد وصل إلى آلاف المخطوطات سنويًا، ما جعل تنظيم العملية التحريرية مسألة علمية ومؤسسية في آن واحد.

وهكذا اتسعت صورة شتاين من عالم يجلس أمام أنبوب اختبار إلى شخصية تسهم في بناء البنية التحتية للعلم نفسه: البحث، التدريب، النشر، التحكيم، وتبادل المعرفة.


الإرث.. من تحليل الأحماض الأمينية إلى البيولوجيا الجزيئية الحديثة

عند السؤال عن أهم أعمال ويليام شتاين، قد يكون من المغري اختيار تحديد تسلسل الريبونيوكلياز وحده.

لكن هذا الاختيار، رغم صحته، لا يعكس حجم الأثر.

هناك في الواقع ثلاثة مستويات مترابطة لإرثه.

الأول هو المستوى المنهجي: تطوير تقنيات فصل وتحليل الأحماض الأمينية والببتيدات.

الثاني هو المستوى التقني: تحويل هذه المعرفة إلى جهاز تحليل آلي جعل تحليل الأحماض الأمينية أكثر سرعة وقابلية للتكرار.

والثالث هو المستوى المفاهيمي: استخدام هذه الأدوات لفهم كيف ترتبط البنية الكيميائية للبروتين بوظيفته التحفيزية.

هذا التدرج هو الذي يجعل إرث شتاين متصلًا بتاريخ البيولوجيا الجزيئية الحديثة.

فمن دون القدرة على تحليل الأحماض الأمينية وفصل الببتيدات، كان تحديد تسلسل البروتينات أكثر صعوبة. ومن دون تحديد التسلسل، يصبح من الأصعب ربط موقع محدد في السلسلة بوظيفة محددة. ومن دون ربط البنية بالنشاط، تبقى الإنزيمات أقرب إلى «صناديق سوداء» تؤدي تفاعلات كيميائية من دون فهم كافٍ للآلية.

لقد ساعد شتاين في فتح هذه الصندوق خطوة بعد أخرى.


التأثير اللاحق.. من البروتين المحدد إلى عالم البروتيوم

يمكن رؤية الامتداد التاريخي لعمل شتاين في التطور اللاحق لعلم البروتينات.

ففي زمنه كان السؤال هو: ما الأحماض الأمينية التي يتكون منها هذا البروتين؟ وما ترتيبها؟ وأي منها يدخل في النشاط؟

أما في العقود التالية، فقد اتسعت الأسئلة لتشمل البنية ثلاثية الأبعاد، وتطوي البروتين، والتفاعلات بين البروتينات، وتعديل البروتينات، وتحليل أعداد هائلة من البروتينات في وقت واحد.

لم يصنع شتاين هذه المجالات اللاحقة بصورة مباشرة، ولم يكن من الدقة أن ننسب إليه كل تطورات علم البروتيوم أو الاستشراب الحديث. لكن عمله كان جزءًا من السلسلة التي جعلت التحليل الكيميائي الدقيق للبروتينات ممكنًا ومألوفًا.

وتؤكد مؤسسة نوبل أن أعمال شتاين ومور على الريبونيوكلياز كانت جزءًا من تحول أوسع نحو دراسة النشاط الإنزيمي على المستوى الجزيئي، بينما تشير الأكاديمية الوطنية للعلوم إلى الانتشار العالمي لمحللات الأحماض الأمينية التي خرجت من مشروعهما.

أما التأثير المباشر فيمكن رؤيته في الدراسات التي واصلت تطوير محللات الأحماض الأمينية وتكييفها لتحليل كميات أصغر وتطبيقات مختلفة.

وهكذا فإن الإرث هنا ليس علاقة خطية من نوع «اكتشف شتاين الجهاز ثم اخترع شخص آخر التقنية الحديثة»، بل تراكم علمي: كل جيل يرث أداة ومفهومًا، ثم يعيد تطويرهما وفق أسئلة جديدة.


ماذا بقي من شتاين بعد رحيله؟

توفي ويليام هوارد شتاين في 2 فبراير/شباط 1980 في نيويورك، عن عمر 68 عامًا.

لكن نهاية حياته لم تكن نهاية الموضوعات التي عمل عليها.

ظل الريبونيوكلياز نموذجًا مهمًا في دراسة الإنزيمات والبروتينات، واستمرت الأبحاث المتعلقة ببنيته ووظيفته ومثبطاته. كما استمرت تقنيات تحليل الأحماض الأمينية في التطور، وانتقلت من أجهزة كانت تحتاج إلى ساعات طويلة أو تشغيل ليلي إلى أنظمة أسرع وأكثر حساسية.

وهنا يمكن فهم إرث شتاين بطريقة مختلفة.

فالعالم لا يعيش فقط في عدد الأوراق التي نشرها، ولا في الميدالية التي حصل عليها، وإنما في الأسئلة التي أصبحت الأجيال التالية قادرة على طرحها لأن أدواته جعلتها ممكنة.

قبل شتاين ومور، كان تحليل تركيب البروتين أكثر بطئًا وتعقيدًا. وبعدهما أصبحت هناك طرق أكثر قوة لتحديد المكونات وفصلها وقياسها.

وقبل أعمالهما على الريبونيوكلياز، كان من الصعب رسم علاقة دقيقة بين تسلسل البروتين ووظيفته التحفيزية. وبعدها أصبح الموقع الفعّال موضوعًا يمكن تحديد عناصره واختبارها كيميائيًا.

هذه ليست مجرد تحسينات تقنية؛ إنها تغير في طريقة التفكير في البروتين.


سيرة شتاين بوصفها سيرة منهج

تكشف حياة ويليام هوارد شتاين عن فكرة تتجاوز الكيمياء الحيوية نفسها: كثير من الاكتشافات الكبرى لا تبدأ بسؤال ضخم.

بدأ شتاين من تحليل الإيلاستين، ثم انتقل إلى تحسين قياس الأحماض الأمينية، ثم تعاون مع مور، ثم دخل عالم الكروماتوغرافيا، ثم ساهم في بناء جهاز آلي، ثم استخدم هذه الأدوات لدراسة الريبونيوكلياز.

كل خطوة كانت تقود إلى الخطوة التالية.

ولهذا فإن إنجازاته لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها قائمة من الأجهزة والأبحاث، وإنما باعتبارها سلسلة سببية واحدة:

الحاجة إلى قياس أدق → تطوير وسائل الفصل → الأتمتة → تحليل البروتينات → تحديد التسلسل → تحديد الموقع الفعّال → فهم العلاقة بين البنية والنشاط.

وهذا التسلسل هو الذي يجعل قصته ذات قيمة تاريخية.

فشتاين لم يكن فقط من العلماء الذين عرفوا المزيد عن البروتينات؛ كان من العلماء الذين ساعدوا على بناء اللغة التجريبية التي أصبح العلماء يتحدثون بها عن البروتينات.


الخاتمة: إرث مفتوح لا ينتهي عند نوبل

إذا كان سبب فوز ويليام شتاين بجائزة نوبل قد حُدد رسميًا في العلاقة بين البنية الكيميائية والنشاط التحفيزي للموقع الفعّال في الريبونيوكلياز، فإن أهمية تجربته التاريخية أوسع من صياغة القرار النوبلي.

لقد جاء شتاين في مرحلة كانت الكيمياء الحيوية تتحول فيها من دراسة الظواهر البيولوجية على مستوى عام إلى محاولة تفسيرها على المستوى الجزيئي.

وفي هذه اللحظة، كانت هناك حاجة إلى علماء لا يكتفون بطرح الأسئلة، بل يصنعون الأدوات اللازمة للإجابة عنها.

كان شتاين واحدًا من هؤلاء.

ساعده التعاون الطويل مع ستانفورد مور، والعمل الجماعي في روكفلر، وتفاعلهم مع باحثين في مؤسسات أخرى على تحويل تحليل الأحماض الأمينية من مهمة شاقة إلى عملية أكثر آلية، ثم استخدام تلك القدرة في واحدة من أشهر دراسات البروتينات في القرن العشرين.

وبذلك امتد أثره في اتجاهين متوازيين: تقنية جعلت التحليل ممكنًا على نطاق أوسع، وفكرة علمية جعلت البنية الكيميائية مفتاحًا لفهم الوظيفة.

وقد ظل هذا الإرث مفتوحًا بعد وفاته. فكلما تطورت تقنيات تحليل البروتينات، وكلما أصبح العلماء قادرين على دراسة جزيئات أصغر وبأعداد أكبر وبدقة أعلى، بقي السؤال الذي عمل شتاين من أجله حاضرًا بصورة أو بأخرى:

كيف تتحول البنية الجزيئية إلى وظيفة؟

ربما هنا تحديدًا تكمن قيمة شتاين التاريخية. لم يقدم إجابة نهائية عن هذا السؤال، ولم يكن ذلك ممكنًا أصلًا. لكنه ساعد على تحويله من سؤال غامض عن أسرار الحياة إلى مشكلة يمكن تفكيكها بالتجربة والقياس والتحليل.

وهذا هو الإرث العلمي الأكثر دوامًا: أن تجعل السؤال الكبير قابلًا للقياس.

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك الإعلان هنا
تواصل معنا لوضع إعلانك
زر الذهاب إلى الأعلى