فيلياس فوج يصل إلى ليفربول… لكن مفاجأة فيكس كانت في انتظاره!

في اليوم التالي، غادر فيلياس الفندق بمفرده، وكان ينوي العثور على سفينة تُقِلُّهم إلى ليفربول مباشرةً؛ إذ كان ذلك اليوم هو الثاني عشر من ديسمبر، ولم يتبقَّ لديه سوى تسعة أيام وثلاث عشرة ساعة وخمس وأربعين دقيقة فقط.
أخذ يتجول ذهابًا وإيابًا على جانب النهر، ولكنه لم يستطع إيجاد مركب لإيصاله. وكاد أن يفقد الأمل، حتى رأى سفينة تجارية صغيرة تقف بعيدًا عن السفن الأخرى، وكان البخار ينبعث من المدخنة التي تعلو المركب؛ أي إنها كانت على وشك الرحيل.
نادى فيلياس على قارب ليأخذه إلى تلك السفينة، وسرعان ما وجد نفسه على متن السفينة «هنريتا». وكان قبطان السفينة، رجلًا يبلغ من العمر خمسين عامًا، وله عينان مستديرتان كبيرتان، وشعر أحمر فاتح، ولحية نحاسية اللون، يجلس على سطح السفينة، وكان يُدعى أندرو سبيدي.
فسأله فيلياس: «هل أنتم على وشك الإبحار؟»
أجاب القبطان سبيدي: «نعم، سنغادر إلى بوردو في غضون ساعة.»
قال فيلياس: «هل تُقِلُّ ركابًا؟»
قال القبطان سبيدي: «كلا، لا نُقِلُّ ركابًا. نحن لا نحمل أبدًا أي ركاب، فهم يُعيقون تقدمنا.»
فسأله فيلياس: «هل سفينتك سريعة؟»
قال القبطان: «نعم، إن سرعتها جيدة، وتبلغ أقصى سرعة ممكنة.»
سأله فيلياس: «هل تأخذني إلى ليفربول؟ أنا وثلاثة ركاب آخرين.»
قال القبطان سبيدي: «كلا، قلت إننا سنذهب إلى بوردو، ولهذا سنذهب إلى هناك.»
حاول فيلياس إقناعه بكل السبل؛ فحاول شراء القارب، وحاول أن يدفع للقبطان مقابل توصيلهم، ولكن القبطان رفض كل عروضه. حتى تلك اللحظة، كان فيلياس قد تمكن من شراء طريقه حول العالم، ولكن هذه المرة لم يكن المال هو الحل.
سأله فيلياس: «هل تأخذنا إلى بوردو مقابل ألفَي دولار للفرد؟»
حنى القبطان سبيدي رأسه وقال: «أنتم أربعة، أليس كذلك؟»
أجاب فيلياس: «هذا صحيح.»
قال القبطان: «هل أنتم جميعًا جاهزون للسفر؟»
فأومأ فيلياس برأسه بالإيجاب.
أكمل القبطان: «حسنًا، سنغادر في التاسعة، فإذا كنتم هنا، فسنصطحبكم معنا إلى بوردو.»
وبذلك كان لدى فيلياس نصف ساعة فقط ليسرع إلى الفندق ويحضر عودًا وباسبارتو وفيكس، ثم يعود إلى السفينة «هنريتا».
ولم يظهر على فيلياس فوج مطلقًا ولو ذرة واحدة من القلق. وتمكن الركاب الأربعة من الوصول إلى القارب قبل الموعد بثوانٍ معدودة.
لم يكن باسبارتو يشعر بالارتياح بعدما علم بالأموال التي كان ينفقها سيده للعودة إلى لندن في الوقت المناسب للفوز بالرهان.
أما بالنسبة إلى فيكس، ففي كل مرة ينفق فيها فيلياس من النقود، كان يرى مكافأته تتلاشى؛ ففي نهاية المطاف، هذه الأموال التي ينفقها مملوكة للبنك، وكلما أنفق اللص من تلك النقود، أصبح المبلغ الذي سيعيده إلى البنك أقل، وكلما قلَّ هذا المبلغ، قلَّت مكافأته. ولم ترفع تلك الأفكار من معنوياته التي كانت منخفضة بالفعل.
وبحلول ظهر اليوم التالي، كانت «هنريتا» تُبحر بشكل جيد. وقف فيلياس فوج على سطح قيادة السفينة، وأخذ يتطلع عبر المحيط الأطلسي.
وفي هذه الأثناء، كان القبطان سبيدي قد أغلق كابينته على نفسه، ولم يكن سعيدًا على الإطلاق.
أراد فيلياس الذهاب إلى ليفربول، ولم يكن شيء ليحول دون وصوله إلى هناك. وكان قد أخبر طاقم السفينة كله بقصته، وعندما علموا بالمسافة التي قطعها، قرروا مساعدته، فتجاهلوا أوامر القبطان، وحددوا وجهة جديدة للسفينة نحو ليفربول.
كانت الرحلة البحرية تسير على خير ما يرام في أيامها الأولى؛ فكانوا يحافظون على سير «هنريتا» بأقصى سرعة، ويحرقون المزيد من الفحم. وكانوا قد عبروا نيوفاوندلاند وخرجوا إلى عرض البحار، وكان باسبارتو يُسلّي البحارة بإقامة استعراضات لهم، وقد جعلت روح الدعابة التي يتمتع بها الجميع سعداء.
أمضت عودا معظم الوقت على السطح مع فيلياس، الذي حاول أن يهدئ من روعها؛ فكانت قلقة حقًّا حيال ما سينتهي إليه الأمر.
وفجأة تبدل الطقس، فعُبور المحيط الأطلسي في الشتاء ينطوي على الكثير من المخاطر؛ فهناك العواصف الشديدة والأمواج العاتية، ففي لحظة واحدة يمكن أن يخرج القارب عن مساره أو تقلبه الأمواج. وبدلًا من الاعتماد على الرياح في الإبحار، كانوا يعتمدون على المحرك فقط، وكان الفحم هو مصدر الطاقة الوحيد الذي يدفعهم إلى الأمام.
وفي السادس عشر من ديسمبر، صعد المسؤول عن المحرك في السفينة إلى السطح ليُبلغ فيلياس أن الفحم قد أوشك على النفاد.
فقال فيلياس للرجل: «دعني أفكر في الأمر للحظة.»
خيّم الصمت على الاثنين، وفيلياس يفكر ماذا يفعل، ثم قال: «اجعل المحركات تعمل بأقصى سرعة كما هي، لقد وجدت حلًّا. باسبارتو!»
قفز الخادم من السطح السفلي ووقف أمامه، فقال له فيلياس: «من فضلك، اطلب من القبطان أن يخرج من كابينته.»
فأومأ باسبارتو برأسه في طاعة.
لم يكن القبطان يرغب في التحرك من مكانه، فقد كان يستشيط غضبًا لأن فيلياس فوج قد استولى على سفينته، فلم يكن يريد التحدث معه، ناهيك عن الصعود إلى سطح السفينة، ولكن باسبارتو أصر.
صاح القبطان: «أين نحن؟»
أجابه فيلياس: «على بُعد سبعمائة وسبعين ميلًا من ليفربول.»
صرخ القبطان سبيدي: «قرصان لص!»
قال فيلياس: «سيدي، سنحتاج لإشعال سطح السفينة، فالفحم لدينا يكاد أن ينفد.»
قال القبطان سبيدي: «… تُحرق … سفينتي؟ بالطبع لا!»
بحث فيلياس في جيبه، وأخرج رزمة كبيرة من الأموال، وقال: «إليك هذا المبلغ، إنه كافٍ لشراء قاربين آخرين، وسيعوضك ذلك عن الأضرار التي سببتها لك ولهذا القارب.»
أخذ القبطان سبيدي المال بهدوء، ونسي غضبه وما يحمله من ضغينة تجاه فيلياس فوج. وفكر في نفسه: إذا كان هذا الرجل على استعداد لأن يدفع كل ما يملك للوصول إلى ليفربول، فيمكنني أن أساعده في ذلك، كما أنه لا يوجد شيء آخر يمكنني أن أفعله، كما أن سفينتين ستوفران لي حياة كريمة أكثر من سفينة واحدة.
فقال سبيدي: «اعتبر السفينة «هنريتا» ملكك، يا سيد… أعني، يا قبطان فوج.»
وعلى مدار الأيام القليلة التالية، أحرق الطاقم أجزاءً من السفينة لمساعدتها على مواصلة رحلتها. ووصل المسافرون إلى ميناء ليفربول، ولديهم تسع ساعات فقط قبل انتهاء الموعد.
نزل فيلياس فوج وعودا وباسبارتو سريعًا من على متن السفينة «هنريتا»، التي تركوها للقبطان سبيدي، ووطئت أقدامهم أخيرًا الأراضي الإنجليزية.
وفي التو، نزل فيكس وراءهم، ووضع يده على كتف فيلياس.
وسأله: «هل أنت فيلياس فوج؟»
«نعم.»
قال فيكس، وهو يحمل في يده مذكرة القبض على فيلياس: «إذن، أنا ألقي القبض عليك باسم جلالة الملكة.»



